عبد الملك الجويني

161

نهاية المطلب في دراية المذهب

باب تأخير الحج قال الشافعي : " أنزلت فريضةُ الحج بعد الهجرة . . . إلى آخره " ( 1 ) . 2461 - مذهب الشافعي أن وجوب الحج ليس على الفور ، وليس على المستطيع البدارُ إليه وعمره فسحته ، ومدته ؛ فإن الحج عبادةُ العمر ، فكان موقعه من العمر ، كموقع صلاة الظهر ، من زوال الشمس إلى مصير كل شيء مثله . ولو استشعر من نفسه العَضْب ، فمن أصحابنا من أوجب عليه البدارَ لهذا الاستشعار ، ومنهم من لم يوجبه . 2462 - ثم إذا استطاع ، فأخر ، فمات ، فالمذهب أنه يموت عاصياً ؛ فإنا لو لم نعصِّه ، لأخرجنا الحجَّ عن حقيقة الوجوب . وأبعد بعض الفقهاء فقال : لا يموت عاصياً ، لأنه أخر ، والتأخير مسوَّغ له ، وإنما يعصي ، من فعل ما ليس له فعله . وهذا قولٌ عريٌّ عن الإحاطة بأصول الشريعة ؛ فإن التأخير إنما يسوغ على خطرٍ ( 2 ) يلابسه ، في عاقبة أمره ، وقد ذكرتُ في فن الأصول ( 3 ) في ذلك سرّاً ، فقلت : وجه وجوب الحج أن مؤخره متعرض للغرر ، وهو مما يؤلم القلب ، ولولا هذا ، لما تحقق الوجوب . وظهر اختلاف أئمتنا في أن من أخر الصلاة [ المؤقتة ] ( 4 ) إلى وسط الوقت ، فاخترمته المنية ، فهل نقضي بأنه يلقى الله عاصياً ؟ فقال قائلون : إنه يعصي كما يعصي المستطيع إذا مات ، ولم يحج ، وقال آخرون : لا يعصي ؛ فإن التأخير ،

--> ( 1 ) ر . المختصر : 2 / 44 . ( 2 ) ( ك ) : على غير خطر . ( 3 ) ر . البرهان في أصول الفقه : 1 / 168 - 178 فقرة 143 - 161 . ( 4 ) مزيدة من ( ط ) .